مقابلة
قصة قصيرة/ ماجد عاطف
قال له الشيخ، أبوها:
- جوابي أنا ليس بالسرّ، غير أنها اشترطت أن تكلّمك أولاً.
تكلمه عن ماذا؟ وهل تقدّم مباشرة إلا ليهرب من الكلام والتعارف؟ هذا هو حاله، فاقبلوا أو أرفضوا بلا وجع قلب ولا متاعب. لم يكن يتوقع أكثر من المعروف في المودة والعشرة. وهمّ بالتراجع، غير أنه تروّى.
- اسأل يا عمي ما بدا لك.
كان أقرب للأخ الكبير منه إلى العم، فلا يزيد عليّه إلا بعقد واحد وقليل، وعليه أن يتظاهر بالأدب أمامه أو يتأدب.
- تريد هي أن تكلّمك.
ربما تريد رؤية إن كان سويا أو معتوها، لبقا أم فظا، مع أن هذا هو المشوار الرابع له إلى بيتهم، ولا بد أنها تأملته خلسة. قال لنفسه: الغريق لا يخشى من البلل، ووالدها يعرف عنه كل شيء، وضمنيا هي.
وتذكر مظهره. لم يعتن به جيداً وظل شعره طويلا بعض الشيء. وهناك كيلوغرامات زائدة لو عرف عن هذه "الرؤية" لشدَّ على بطنه بالحزام، ولرش بعض العطر. بعد ذلك لا شيء ليتصنّع فيه، وهذا سينفعه.
ولا بد أن أباها أصدر إشارة ما، هو الجالس قبالة باب الصالون، فأتت بعد دقيقة ووضعت القهوة على الطاولة ثم جلست قبالته. راعه فيها جمود ملامحها ولم يفته أنها فتية التقاطيع، رغم أنها تعدت الثلاثين، كما كان يعلم عنها وأوشك أن يتراجع بسببه لولا الانجاب.
- أهلا وسهلاً بك.
- وبكِ أنت.
قال ابوها:
- انسَ أنني موجود.
وتمدد على جانبه، كأنه يمنح حقا لابنته في حين يكون متربصاً كالنمر. وبينما أخذ يرتشف من القهوة، لاح له خاطر مزعج، أن تسأله –هي دارسة الشريعة- عن حفظه أو فقهه. بالكاد يتدبر أمر العبادات، والبقية عند الحاجة يسأل عنها متخصصين. سارع يضع الفنجان ويخلّص نفسه:
- في الفقه أنا من العوام.. لا أعرف إلا الفرائض!
كانت تتبسّم فذهب جمودها. هذا خير من أن تقلبها حلقة علم ومذاكرة أو مناظرة! أن تحشره بين قول ابن تيمية ومخالفيه، أو مذهب الحنابلة في تشييع الجنازة. وسكت منتظرا كلامها. سألته مباشرة:
- ماذا عن ماضيك؟
في دماغه يعرف نوعين من القواميس المرجعية، فأغلق دفة أحدهما نهائيا. لا قومي ولا ماركسي ولا وجودي ولا فوضوي، وكل تلك الصرعات التي عرفها في الجامعة واستمرت معه أحوالا افقدته الثقة بكل شيء.
- كان زمننا مرتبكاً وارتبكنا معه. تيارات وأفكار كثيرة، والحمدلله لم يبق منها إلا الأصيل. أموري على ما يرام.
لو يعلمون أن التخلص منها يحتاج لجهد عنيف -أعنف من دخول الوثنيين للاسلام- لما صدقوه، ولولا أنه تدرّج طوال سنوات من المادية للوجودية والاعتزال ثم أهل السنة والجماعة لما عاد للدين.
- ماذا عن ماضيك ذاك؟
تأمل وجهها تحت المنديل ونسي سؤالها. كان أبيض مستطيلا دقيق الملامح، ولون عينيها خضراوين. لا بد أن شعرها ناعم طويل وأشقر. حسب العرف يحق له أن يطلب رؤيته، أمّا شرعا فلا.
وكررت:
- ماضيك ذاك..
كأنها تعاتبه أنه استغرق في وجهها ونسي سؤالها. النبرة تخلت عن صرامتها وانخفضت بينما ارتفع خجل طفيف إلى وجنتيها. فكّر أنها منزعجة في الحقيقة من وجود والدها، فلا تريد أن يرى هذا منه تجاهها أو يرى موقفها منه. "هذا العجوز عندما ينتهي دوره سنتخلّص منه سريعاً"، قرر في سرّه. استفسر:
- أي ماض؟
- ذاك..
عندما فهم تكركبت الأمور. من المفترض أنه معلوم ولم يتوقع أن تسأل عنه أو عنهن. كان يشعر بالحرج والضيق فبحث عن الشيخ الذي وضعه في هذا. لا بد أنه كان يعرف ما تريد سؤاله عنه إذا لم يدبّره بنفسه هو. لقد أخبره عن أموره كلها، تقريبا، ولم يخف شيئاً. فبسّط له الأمر بإشارة من يده كأنه يتفرج على شيء هيّن ولا علاقة له هو به:
- أنس أنني موجود.
واندفع إلى رأسه وجه تلو آخر، من الوجوه التي شغلته وأعاقته:
- جاهلية شباب، طيش واندفاعات.
ولأنه كان غاضبا من توجيه السؤال أضاف متمرداً:
- ولا تخلو من ميل وبوح!
- لعلها أكثر من ذاك..
ها قد فتح على نفسه الباب.
- كيف؟
- موغلة في المعاصي.
عندما فهم ما تسأل عنه، ولا حق لها أن تسأل هي أو هو، كان معنيا بالتوضيح:
- لم يتجسّم من الأهواء شيء. صبوات وأوهام وكلمات وربما الكثير من الادعاءات أمام الأصدقاء.
- لا دخان من غير نار.
- صدقتِ.
ركز على الدخان ونسي النار. كان قصده أنه مجرد دخان وناره ذاتية عنده هو ضعيفة، بينما فهمت هي (ناراً) فعلية. انقلب تصديقه عليّه. يكره الكلام لأنه يحتمل معاني لا حد لها. اوضح:
- نار الشباب.
إنه في الخمسين ولا طاقة له على هذه البهدلة. ومع أن الاستدراك بدوره يحتمل أكثر من تفسير، فإن حالته أوضحت جوابه. فكّر أنها إنما أرادت رؤيته بالذات لتختبر حضور الإناث فيه وهي تسأله. إذا كان هذا من تدبير الشيخ فهو كرنيب.
وسانده الشيخ للمرة الأولى:
- أحسنت!
صار له نفع وسيتدبر أمره فيما بعد.
- وجاهليتك بوجه عام؟
هذا استجواب عنيف. كانت الجاهلية هذه المرة جاهلية جاهلية، وكان مستعداً للاجابة عنها:
- يقال إن إيمان الصحابة كان في متانته على قدر جاهليتهم. من توغّل فيها، عندما أسلم، توغل في الاسلام.
أي أنه لم يقصر في حق الدنيا الفانية!
وتدخل الشيخ صاحب "انس أنني هنا":
- مكارم الأخلاق مهمة.
لم يعرف إن كان كلامه له أو عليه، ولم يبال به. لعله يقصد الكرم والاحسان والليونة. الذي يعنيه من الأخلاق هو الأمانة والصدق والوفاء. لم يقل شيئاً.
وسألته:
- ألا تريد أن تسألني عن شيء؟
هل أشفقت عليه أم تخبره، عبر السماح بالتقابل في الأسئلة، بردها؟ وماذا يسأل وقد تعمد اختيارها ابنة شيخ ودارسة للشريعة؟
كان وجهها يقطر حلاوة ونداوة ونسي ما فعلته قبل قليل. لم تهتم إلا بأمرين، النساء والدين، على هذا الترتيب! إنه متعب قطع في الدنيا شوطاً طويلا. متطلباته قليلة لكن جوهرية.
استرجع نفسه من وجهها وقال:
- عرفت ما أردت معرفته.
ارتفع حاجباها بقليل من الاستنكار. وماذا إن كان ممن تفتنهم الصور الملائكية؟ ليس سطحيا، لكن بعد كل التعقيد الذي اختبره فإن القيمة في البساطة، في وجهها. سارع بالتوضيح:
- أسئلتك أخبرتني.
واسترخى وجهها استرخاء الراضية. إنها لذيذة، فاتنة وصلبة وذكية! كيف كانت ستبدو لو أخطأ في جواب أو لم يحسن الكلام؟؟ غالباً يكون القرار المبدئي متخذا، لكنهم يحسمونه فقط بهذه المقابلة كأنها شكليات. بالفعل، فكّر وهو يستعيد حديثا، لا حاجة لأن تقرر البكر بنفسها.
- لي طلب..
عدّل الشيخ من جلسته وأسند ظهره كأنه انزعج. ربما لأنه ليس له حق الطلب بعد.
- تفضل.
كان يريد قول شيء لها هي لا هو، ولم يكن هناك بد من شمله:
- إذا كان نصيبي معكم، لا تكونوا مع الدنيا عليّ.
كان ينظر إليها. هذه هي الحكاية التي لم يسردها والتي لا يعرفون عنها شيئا ولا تهمهم.
ردّت وكما يبدو فهمت، بأسى مشابه:
- ان شاء الله.
قصة قصيرة/ ماجد عاطف
قال له الشيخ، أبوها:
- جوابي أنا ليس بالسرّ، غير أنها اشترطت أن تكلّمك أولاً.
تكلمه عن ماذا؟ وهل تقدّم مباشرة إلا ليهرب من الكلام والتعارف؟ هذا هو حاله، فاقبلوا أو أرفضوا بلا وجع قلب ولا متاعب. لم يكن يتوقع أكثر من المعروف في المودة والعشرة. وهمّ بالتراجع، غير أنه تروّى.
- اسأل يا عمي ما بدا لك.
كان أقرب للأخ الكبير منه إلى العم، فلا يزيد عليّه إلا بعقد واحد وقليل، وعليه أن يتظاهر بالأدب أمامه أو يتأدب.
- تريد هي أن تكلّمك.
ربما تريد رؤية إن كان سويا أو معتوها، لبقا أم فظا، مع أن هذا هو المشوار الرابع له إلى بيتهم، ولا بد أنها تأملته خلسة. قال لنفسه: الغريق لا يخشى من البلل، ووالدها يعرف عنه كل شيء، وضمنيا هي.
وتذكر مظهره. لم يعتن به جيداً وظل شعره طويلا بعض الشيء. وهناك كيلوغرامات زائدة لو عرف عن هذه "الرؤية" لشدَّ على بطنه بالحزام، ولرش بعض العطر. بعد ذلك لا شيء ليتصنّع فيه، وهذا سينفعه.
ولا بد أن أباها أصدر إشارة ما، هو الجالس قبالة باب الصالون، فأتت بعد دقيقة ووضعت القهوة على الطاولة ثم جلست قبالته. راعه فيها جمود ملامحها ولم يفته أنها فتية التقاطيع، رغم أنها تعدت الثلاثين، كما كان يعلم عنها وأوشك أن يتراجع بسببه لولا الانجاب.
- أهلا وسهلاً بك.
- وبكِ أنت.
قال ابوها:
- انسَ أنني موجود.
وتمدد على جانبه، كأنه يمنح حقا لابنته في حين يكون متربصاً كالنمر. وبينما أخذ يرتشف من القهوة، لاح له خاطر مزعج، أن تسأله –هي دارسة الشريعة- عن حفظه أو فقهه. بالكاد يتدبر أمر العبادات، والبقية عند الحاجة يسأل عنها متخصصين. سارع يضع الفنجان ويخلّص نفسه:
- في الفقه أنا من العوام.. لا أعرف إلا الفرائض!
كانت تتبسّم فذهب جمودها. هذا خير من أن تقلبها حلقة علم ومذاكرة أو مناظرة! أن تحشره بين قول ابن تيمية ومخالفيه، أو مذهب الحنابلة في تشييع الجنازة. وسكت منتظرا كلامها. سألته مباشرة:
- ماذا عن ماضيك؟
في دماغه يعرف نوعين من القواميس المرجعية، فأغلق دفة أحدهما نهائيا. لا قومي ولا ماركسي ولا وجودي ولا فوضوي، وكل تلك الصرعات التي عرفها في الجامعة واستمرت معه أحوالا افقدته الثقة بكل شيء.
- كان زمننا مرتبكاً وارتبكنا معه. تيارات وأفكار كثيرة، والحمدلله لم يبق منها إلا الأصيل. أموري على ما يرام.
لو يعلمون أن التخلص منها يحتاج لجهد عنيف -أعنف من دخول الوثنيين للاسلام- لما صدقوه، ولولا أنه تدرّج طوال سنوات من المادية للوجودية والاعتزال ثم أهل السنة والجماعة لما عاد للدين.
- ماذا عن ماضيك ذاك؟
تأمل وجهها تحت المنديل ونسي سؤالها. كان أبيض مستطيلا دقيق الملامح، ولون عينيها خضراوين. لا بد أن شعرها ناعم طويل وأشقر. حسب العرف يحق له أن يطلب رؤيته، أمّا شرعا فلا.
وكررت:
- ماضيك ذاك..
كأنها تعاتبه أنه استغرق في وجهها ونسي سؤالها. النبرة تخلت عن صرامتها وانخفضت بينما ارتفع خجل طفيف إلى وجنتيها. فكّر أنها منزعجة في الحقيقة من وجود والدها، فلا تريد أن يرى هذا منه تجاهها أو يرى موقفها منه. "هذا العجوز عندما ينتهي دوره سنتخلّص منه سريعاً"، قرر في سرّه. استفسر:
- أي ماض؟
- ذاك..
عندما فهم تكركبت الأمور. من المفترض أنه معلوم ولم يتوقع أن تسأل عنه أو عنهن. كان يشعر بالحرج والضيق فبحث عن الشيخ الذي وضعه في هذا. لا بد أنه كان يعرف ما تريد سؤاله عنه إذا لم يدبّره بنفسه هو. لقد أخبره عن أموره كلها، تقريبا، ولم يخف شيئاً. فبسّط له الأمر بإشارة من يده كأنه يتفرج على شيء هيّن ولا علاقة له هو به:
- أنس أنني موجود.
واندفع إلى رأسه وجه تلو آخر، من الوجوه التي شغلته وأعاقته:
- جاهلية شباب، طيش واندفاعات.
ولأنه كان غاضبا من توجيه السؤال أضاف متمرداً:
- ولا تخلو من ميل وبوح!
- لعلها أكثر من ذاك..
ها قد فتح على نفسه الباب.
- كيف؟
- موغلة في المعاصي.
عندما فهم ما تسأل عنه، ولا حق لها أن تسأل هي أو هو، كان معنيا بالتوضيح:
- لم يتجسّم من الأهواء شيء. صبوات وأوهام وكلمات وربما الكثير من الادعاءات أمام الأصدقاء.
- لا دخان من غير نار.
- صدقتِ.
ركز على الدخان ونسي النار. كان قصده أنه مجرد دخان وناره ذاتية عنده هو ضعيفة، بينما فهمت هي (ناراً) فعلية. انقلب تصديقه عليّه. يكره الكلام لأنه يحتمل معاني لا حد لها. اوضح:
- نار الشباب.
إنه في الخمسين ولا طاقة له على هذه البهدلة. ومع أن الاستدراك بدوره يحتمل أكثر من تفسير، فإن حالته أوضحت جوابه. فكّر أنها إنما أرادت رؤيته بالذات لتختبر حضور الإناث فيه وهي تسأله. إذا كان هذا من تدبير الشيخ فهو كرنيب.
وسانده الشيخ للمرة الأولى:
- أحسنت!
صار له نفع وسيتدبر أمره فيما بعد.
- وجاهليتك بوجه عام؟
هذا استجواب عنيف. كانت الجاهلية هذه المرة جاهلية جاهلية، وكان مستعداً للاجابة عنها:
- يقال إن إيمان الصحابة كان في متانته على قدر جاهليتهم. من توغّل فيها، عندما أسلم، توغل في الاسلام.
أي أنه لم يقصر في حق الدنيا الفانية!
وتدخل الشيخ صاحب "انس أنني هنا":
- مكارم الأخلاق مهمة.
لم يعرف إن كان كلامه له أو عليه، ولم يبال به. لعله يقصد الكرم والاحسان والليونة. الذي يعنيه من الأخلاق هو الأمانة والصدق والوفاء. لم يقل شيئاً.
وسألته:
- ألا تريد أن تسألني عن شيء؟
هل أشفقت عليه أم تخبره، عبر السماح بالتقابل في الأسئلة، بردها؟ وماذا يسأل وقد تعمد اختيارها ابنة شيخ ودارسة للشريعة؟
كان وجهها يقطر حلاوة ونداوة ونسي ما فعلته قبل قليل. لم تهتم إلا بأمرين، النساء والدين، على هذا الترتيب! إنه متعب قطع في الدنيا شوطاً طويلا. متطلباته قليلة لكن جوهرية.
استرجع نفسه من وجهها وقال:
- عرفت ما أردت معرفته.
ارتفع حاجباها بقليل من الاستنكار. وماذا إن كان ممن تفتنهم الصور الملائكية؟ ليس سطحيا، لكن بعد كل التعقيد الذي اختبره فإن القيمة في البساطة، في وجهها. سارع بالتوضيح:
- أسئلتك أخبرتني.
واسترخى وجهها استرخاء الراضية. إنها لذيذة، فاتنة وصلبة وذكية! كيف كانت ستبدو لو أخطأ في جواب أو لم يحسن الكلام؟؟ غالباً يكون القرار المبدئي متخذا، لكنهم يحسمونه فقط بهذه المقابلة كأنها شكليات. بالفعل، فكّر وهو يستعيد حديثا، لا حاجة لأن تقرر البكر بنفسها.
- لي طلب..
عدّل الشيخ من جلسته وأسند ظهره كأنه انزعج. ربما لأنه ليس له حق الطلب بعد.
- تفضل.
كان يريد قول شيء لها هي لا هو، ولم يكن هناك بد من شمله:
- إذا كان نصيبي معكم، لا تكونوا مع الدنيا عليّ.
كان ينظر إليها. هذه هي الحكاية التي لم يسردها والتي لا يعرفون عنها شيئا ولا تهمهم.
ردّت وكما يبدو فهمت، بأسى مشابه:
- ان شاء الله.
وكرر الشيخ قولها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق