مبعد فلسطيني
قصة قصيرة- ماجد عاطف
ألصقوا اليافطات الحركية والملصقات على الجدران والواجهات ترحيبا بعودته إلى الوطن، هو المبعَد المناضل، قبل أسبوع من موعد عودته. كانت له لحية حديثة أحسن تشذيبها وتحديدها، بحيث تظهر التزامه الجديد. أمضى عقودا من حياته منخرطا في تنظيم علماني لا عقيدة له، وفي السنتين الأخيرتين، قدّم نفسه ملتزما بالدين.
رحّب أنصار الحركة الإسلامية بالتزامه المعلن، لكنهم كانوا على حذر منه وتجنّبوا الاحتكاك به. لم يعتمدوه عضوا فاعلاً كما فعلوا مع غيره، بل لم يتحمّسوا لإدخاله أجواءهم الاجتماعية أو يوكلوا له أي مسؤولية. ثمة شيء حتى في وجهه مريب. إنه مظلم شديد القسوة إجرامي.
كان حريصاً على المظهر، واستطاع الظهور –على التلفاز- في المسجد الخاص بالزعيم. إنّه يصلي بشكل ثابت، وفي المسجد أيضاً، منذ سنتين. ويمكن للمئات أن يشهدوا له. الإيمان والسريرة أو الندم والتوبة، الخالق عز وجل هو الأدرى بها ولا يملك أحد أن يتمحّصها. لم يتأثر تنظيمه العلماني بل لعله سعد به، كحلقة وصل اجتماعية على الأقل، مع جمهور الحركة الإسلامية. أو كنموذج على وجود متدينين في التنظيم الذي يحوي أخلاطا من الناس والمذاهب والاعتقادات والدوافع. عاد الناس إلى الدين بعد تجارب من التقومج والتبعثن والتمركس والتمومو والادعاءات الوطنية. كان الاستقبال حاشدا من جميع التنظيمات التي رحّبت به في حفل الاستقبال.
بعد تجاوزه لإجراءات المعبر الذي سبقه طلب رسمي، استقبلته قافلة من السيّارات تحمل أعلام الوطن والتنظيم. ركب في مؤخرة شاحنة صغيرة مفتوحة فيها مكبّرات صوت تصدح بأغان حماسية، وأخذ يتصرّف كقائد يحيي الجماهير بوقفته وحركة يديه.
هو ليس مبعدا تماما. عند اعتقاله في شبابه وُضِع في ملابسات قانونية بحيث يتعرّض لحكم طويل بسبب تهم ثقيلة العيار: مؤبد؛ أو يقبل الإبعاد.
كانت البيّنات ضده مشوشة (لا) اعتراف لديه ولعل هناك نيّة أوسع لتعمية ما حصل فعلا. حتى تنظيمه لم يتمكّن من الحصول منه على تقرير اعتقالي فعلي ليدرسه. وكانت عليه اعترافات تستند للسماع فقط. وهو لاذ بالصمت على اعتبار "الصمود" الخرافي في التحقيق، وتاليا إلى الإبعاد. ولأن الأمور فوضوية فأؤخذ بالظاهر: عمل فردي بطولي (صمد) صاحبه!
تداخلت (التقديرات) مع الجهالة والادعاءات المختلفة. في المحصّلة لن يتحمل تنظيمه أي ناتج سلبي عنه لأنه لم يصدر له أمرا، فيما يمتلك للمباهاة والتبني أمام (الجماهير) ادعاءات نضالية.. وأهل القتيل لم يستطيعوا النبس بحرف. تحت الضغوط الاجتماعية والتشهيرات والمخاوف الجنائية، لأن ابنهم لم يكن يخلو
من لصوصية ومطالبات مالية، تبرأوا منه، فصار يمكن لأي شخص قتله دون مساءلة. نجا القاتل، ومن خلفه التنظيم، من أي مساءلة حقيقية.
الناس من ناحيتها لم تصدق مبررات القتل المبهم. ظلّت تهمس خفية إن خلف الجريمة مطمع متعلّق بقطعة أرض ما للضحية أو على علاقة به. لكنها بالطبع لا تقول كلامها علنا أو في محفل رسمي.
عقد محاميه الصفقة وقبل الحل الأخير مع بعض الضمانات التي تفسح المجال للعودة في المستقبل. صار مبعدا!
نشاطه في دولة الإبعاد اقتصر على الإعلام وحضور الأنشطة بهيئة ذات هندام ووقار. لم تكن له مرتبة فعلية. لكن صداه تضخّم بين الناس، في الإبعاد أو مدينته، الذين صاروا يهتفون باسمه وقد يلجأون إليه ليساعدهم في أمر ما أو يحتكمون إليه، وتقمّص هو الدور؛ فزادت أهميته بالتالي أمام تنظيمه.
على المنصة ومع وفد الاستقبال الوطني، قرأ آيات من سورة تروي قصة سيدنا موسى عليه السلام، عندما بعثه الله سبحانه وتعالى لفرعون، بعد فراره والعودة من مدين. كان ثمة شيء في اختياره متعلق بالقتل الخطأ، كأنه يبرر أو يمهد أو يعتبر نفسه يستشهد/يتأسى بنبي..
ثم أخذت "الجماهير" التي لم تنتبه لمعنى الاختيار، على الأقل في لحظتها، واكتفت باحترام المقدّس، تصعد الدرجات الخشبية وتصافحه مهنئة بعودته المظفّرة؛ وتلتقط، بالطبع، الصور معه. سيعلّقونها في صالوناتهم ومحلاتهم للإيحاء والإثبات والتباهي. جلّهم انتهازيون نفعيون يبحثون عن تيسير للمصالح ويركبون الموجة، أو بسطاء، أو صغار ما بين مخدوعين ومتحمّسين.
التلفاز الرسمي بث فعاليات الاحتفال بثا حيا ومباشرا.
متفرّجة من تلفاز مستعمل صغير بعيد في غرفة مستأجرة فقيرة، يتردد داخلها الغضب والتأزم والهوس، كانت امرأة اغتصبها (رفقة آخرين قادهم هو)، وتحت تهديد السلاح الأبيض. أوشكوا لحظتها على قتلها، وسكتت هي بعد أن صاحت في الضحى ولم ينجدها أحد، إلى أن هربت منهم. فيما بعد لاحقوها في الشوارع وتحرّشوا بها كلما استطاعوا ونجحت في التملّص والانتقال إلى مدينة ثانية. هناك طمرت ما حدث في نفسها وتناست الموضوع. تخبّطت في أشياء كثيرة ولكنها نجحت في أن تحفظ سواء السبيل. إنها عبارة عن حريق من العقد والدوافع لا تخمد ناره أبدا.
عندما علمت من الصحف عن إبعاده، شعرت براحة خفية.. عصابته انفرط عقدها وتفرّقت بين السجون والنبذ الاجتماعي، دون أن يتكشّف ما فعلته بالناس، أو لربما سُكت عنه. هي ظلّت تفكّر باستمرار في نقطة واحدة لا غير: هل أخطأت بالاستسلام أم كانت تستطيع المواجهة؟ ألم يكن عليها أن تقاوم حتى الموت؟؟
أحدهم شلّ مقاومتها بلوي ذراعها خلفها، وآخر لم يتردد في طعنها في بطنها، وثالث كتم صوتها بكفّه، فيما كان آخر يراقب لهم. كانوا معتادين ومحترفين. ثم تناوبوا عليها. عندما علمت أن كبيرهم، المبعد، لم يتردد
في القتل، أدركت أنها نجت بصعوبة. ما كانوا ليترددون في قتلها لو أبدت مقاومة أكبر، ولا يزال هذا التهديد قائماً. شيء مرتعش فيها يخبرها هذا، فيما لو تسرّب ما يدينهم.
لم تنس ما حصل، لكنها تنتظر اللحظة المناسبة لتقتص. لن يصدّقها أحد لو ادّعت عليهم، خاصة مع مضي السنين، حتى لو أثبتت أربعة اغتصابات أخرى تباهوا أمامها، بالأسماء، بارتكابهم لها، وصارت تعلم عنها. ضحاياهم كلّهن تعرّضن للاتهامات والتشهير من تلك الحركة التي تفتعل الحدث ضد ضعيف ثم تشيعه ليتفرّق الوزر، من ثم تستفيد –بطريقة ما- من الوضع الناشيء. كلّهن سكتن عمّا حدث معهن.
تتذكّر قصة شابة شقراء لم تتجاوز العشرين في حينه، انكشفت. الذي اغتصبها كان ابن مسوؤل من عائلة (إزنكنا/ iznikna) المعروفة، وجارا لها، بعد أن أسكرها في حفلة. وصار تاليا مسؤولا في جهاز أمني، بل وضعوا مقراً للجهاز في بيتٍ ملكٍ لعائلته!
انفضحت الشابة وشهّروا بها. بعد سنوات، تدخل بعضهم وتدبر لها زوجا.
كانوا محسوبين على تنظيم.
ومهما فعل أو قال أو قالوا هم، لا يمكن للص مغتصب جماعي متسلسل كرر جريمته وقاتل أن يكون مناضلا أو مجاهدا. مسالك التوبة، إذا صدق صاحبها، صعبة جدا وتقتضي التكفير. وأول خطوة تحمّل المسؤولية. فعله أسوأ من خيانة ونفاق، بل أسوأ من حرابة وفساد في الأرض، لا علاج لهما إلا بصلب على جذوع وتقطيع من خلاف. عندما تتوغل النفس في انتهاك الحرمات واقتراف الفواحش، فإن التوبة صعبة جدا، لأن الآثار الجانبية والرئيسة تظل تتردد كصدى عنيف.
//
خبا الاستقبال وبردت التهنئة وعاد الناس لحياتهم اليومية. حرص المبعد على الحصول على كل حقوقه المالية، مع تحويل سنوات "نشاطه" الطويل ليصبح من (المقاتلين القدامى). كان رقم راتب خيالياً، بإعانة المتوسّطين، لا يحصّله وكيل وزارة. لم يخرج من بيئته السابقة كما لم يكفّ عن تشويه الآخرين، بل تشويهها هي نفسها، كما بلغها واضطرت للتجاهل، مؤقتا.
هل كان رابضا مترصّدا على أمل أن يصير، في اللحظة المناسبة، كادرا -أو قياديا- في الحركة الإسلامية التي تتوسّع أكثر وأكثر، وتوضع أمامها كل العوائق بما في ذلك مخططات الاختراق الفوري والمتوسط والبعيد؟
كانت تشعر أن المسألة مسألة وقت قبل أن تنكشف الحقيقة، وأن خلفهم ما خلفهم رغم مضي عقود لم ينته بعد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق