التقنية وتراجع الكتابة
ماجد عاطفيمكن البحث في جوجل عن "جدوى الكتابة" لتخرج عشرات المواد/ النتائج التي تناقش هذا الأمر، وكأن الكتّاب المؤلفين -أصحاب التجربة- قد وصلوا إلى النتيجة ذاتها. لقد تراجعت الجدوى كثيرا عمّا كانت عليه قبل عقد أو عقدين.
.. ..
وهناك في ظني أسباب كلّها متصلة بالتقنيات: غياب النقد والتقييم، وتجارية دور النشر، وضحالة الصحافة الورقية والرقمية، وانفجار الميديا، وتيسر الانترنت، ثم سهولة وسائل التواصل الاجتماعي.
وبينما كانت عملية الكتابة في السابق مخاضا عنيفا يعيشه الكاتب المؤلف ما بين تجويد محاولاته الكتابية لتقديم محتوى جديد وتوسيع آفاق القراءات ومراكمة الخبرات ومحاولة تجاوز الشروط الفنية المطلوبة لعملية النشر (كتبا أو صحافة)، صار سهلا على أي شخص أن يكتب وينشر حتى من دون امتلاك الحد اللغوي الأدنى.
= النقد والتقييم. في السابق مجالات العلوم/الثقافة على اتساعها كانت أقل نطاقا، وبالتالي كان يوجد نقاد متخصصون يستطيعون تقييم مستوى المكتوب وتصويبه. لكن مع غياب نوعية هؤلاء، وتفجر المجالات المعرفية، تراجع النقد بدوره، سواء في الجامعات (المتخصصون) أو دور النشر (المقيّمون) أو الصحافة (المحررون الذين لعبوا بنجاح ما هذا الدور) أو وسائل النشر الحديثة (غياب تام). والأمر معقد متراوح هنا ما بين أصالة العلوم وتبعيتها وانتهازية القائمين على الأمر.
= دور النشر من ناحيتها تعيش أزمة عنيفة. فسوق الكتاب الورقي في ظل الوضع المعيشي الصعب في غالبية الدول العربية، ضعيف جدا. الإقبال عادة يكون على الكتاب الأكاديمي/ العلمي والديني والسياسي ثم الأدبي، جنس الرواية والقصة والشعر. في السابق، قبل ثلاثة عقود، كان النشر يتم على نفقة دار النشر (بما في ذلك الصفّ والمونتاج والتدقيق الطباعة والتسويق)، إضافة إلى دفع بدل مالي للمؤلف ونسبة من المبيعات (بصرف النظر عن تطبيق الأخيرة فعليا). أما الآن، فغالبية دور النشر تنشر على حساب المؤلف، ويصلها النص مطبوعا ومدققا، وفي أحيان كثيرة ينشر دون تدقيق. يقتصر عملها على المونتاج والغلاف، (وهي عملية صارت سهلة جدا يستطيع أي شخص مهتم أن يقوم بها بنفسه)؛ إضافة إلى التسويق المأمون، أي مجرد العرض، فالكتاب حقق ربحا لدار النشر بمجرد تكليف المؤلف نفقات الطباعة والمونتاج؛ وفي حالة حقق مبيعات، فتربح دار النشر دون أن تعطي المؤلف شيئا ذا بال.
ومع تطور التقنية الذي يفترض أن يوسع من دائرة استفادة دور النشر، كبيع الكتاب الالكتروني أو الرقمي، إلا أن الحقيقة التي هي عدم إقبال الناس على القراءة، نظرا لزيادة العرض، تجعل من السهل جدا توفير نسخ رقمية مجانية من قبل المؤلف نفسه في محاولة للانتشار وتحقيق الشهرة، عدا عن القرصنة الرقمية، وهي توفير نسخ رقمية للكتاب، من أجل تحقيق دعاية لهذا الموقع الموفّر أو الشخص.
= أما الصحافة، التي ساهم اتساعها في تكريس كتاب كثيرين (مع تدني المستوى مقارنة مع الماضي) فقد تراجعت الصحافة الورقية كثيرا، ولم يعد في وسع أي صحيفة أن تعيش على بيع نسخ الصحيفة، حتى مع وجود الإعلانات. فهناك طرق عصرية للأخيرة، منها ما يقوم به أصحاب الإعلان نفسه، دون دفع تكاليف عالية، وكانت على حساب الصحف الورقية.
وتحولت بالتالي إلى صحف رقمية، مجرد موقع على الانترنت ومونتاج شبه آلي، ينشر لمن يرسل له، وليس هناك مكافأة (كما كان في السابق)، بل وقد لا يوجد محرر حقيقي أو مدقق لغوي. ويدور الحديث الآن في أوساط المحررين والعاملين الإعلاميين عن الذكاء الاصطناعي الذي يمكنه أن يمارس -بآلية- التحرير الصحفي للأخبار والمواد، من حيث التحقق من المحتوى والصياغة والمتعلق من الصور والوسائط، بل لا استبعد أن يقوم هذا الذكاء بدور مباشر في عملية التأليف، من حيث كونه إحصائيا ومقارنا..
= وسلبت مواقع الانترنت المختلفة من دور النشر والصحف، جمهور الكتّاب أيضاً والقرّاء. لقد تضخم عدد الكتّاب، في كل المجالات، في حين تدنى مستوى المنشور ولم تزدد كثيرا نسبة القرّاء، وغرقت المواقع -كما دور النشر والصحف- بعدد ضخم من الكتاب والكتابات، ومن البديهي أن يكون ذلك على حساب نوعية المكتوب، ناهيك عن صعوبة المتابعة الشاملة. بل تجد أجساما (نقابية) تتضمن العشرات والمئات من الكتّاب المستسهلين، الذين لم يخوضوا تجربة الكتابة الحقيقية ولم يعترف بهم أحد أو يُكرّسوا.
= أمّا مواقع التواصل الاجتماعي، فقد سمحت لأي شخص بالكتابة، ووفرت بيئة متلقية تقف من خلف دوافع الكتابة الحقيقة، الاجتماعية والشخصية والنفسية. وصار سهلا على المبتدئ والمحترف في آن، أن يلبي دوافعه وحوافزه مباشرة، فلم يعد مضطرا للتالي إلى الكتابة. ناهيك عن أن اغلب المنشور في مواقع التواصل، لا يزيد على إعادة نشر وتسويق النفس والترويج، أي تحقيق الشهرة، وهو ما يسعى إليه حقيقة الكثير من الكتاب الذين ليس لديهم رسالة يؤدونها.
= ودور الميديا خطير جدا. فالأفلام والمقاطع الصوتية عملت على تسهيل التلقي، بحيث لم يعد المستقبل مضطرا لعناء القراءة، بل يمكنه -في أي مجال- أن يجد مادة مرئية/ مسموعة، دون أن يخوض بنفسه التفكير/ التحقق/ المقارنة/ التحليل/ التجريد.. الخ، وهي عمليات متصلة بالقراءة المباشرة مهمة جدا لتذويت –هضم- المقروء وتفعيله والبناء الفعلي عليه.
.. ..
ورغم الانفجار في الميديا، إلا أنه لم يكن في صالح الكتاب أو الأجناس المتعلقة مثل السيناريو (العلمي تاريخيا ومعرفيا، والوثائقي والأدبي) والرواية/المسرحية، كما هو المفترض، بل لقد ساهم في تسطيح الأخيرتين، لأن الإبداع فيهما وإن لزمهما الإلمام التقني، يحتاجان لعمليات أخرى إبداعية أصلية مرتبطة بالتجريد والمخيال ومعاناة الكتابة والمطالعة العميقة، وكلها عمليات ذهنية. وأحد أسباب التسطيح هو التبعية الكاملة في هذه الأجناس للأجناس الغربية، بحيث لا يزيد ما يُقدم على محض التقليد. (وينطبق الأمر على النشيد، والخطبة، والمقالة المحكمة والبحث العلمي.. الخ)
ولعل المنجز الوحيد للتقنية هو اتاحة التعبير الذاتي عن الرأي للأشخاص، الذي لا تهم قيمته الفعلية بشرط ألا يهدد قائما أو يخالفه، وإلا فإنه سيتعرض للملاحقة.
//
ويختلف الأمر بأقدار متفاوتة بين الكتاب الديني والأكاديمي/العلمي والسياسي والأدبي، بل بين الأصلي والمترجم، لكنها كلها تعاني من السلبيات نفسها. بالإجمال، لم تكن التقنية، خاصة في عالمنا العربي، في صالح الكتاب كمنهج ومحتوى ومضمون.
نحن في عصر السرعة، في التلقي والإرسال والإنتاج، وليس من الضروري أن تكون السرعة ايجابية.
ما سبق هو قناعتي الكاملة (بحسب تجربتي)، لكن لا بد من الإشارة إلى وجود مؤلفين تخطوا كل السلبيات السابقة ، فقط منعا للتعميم!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق