السبت، 11 أكتوبر 2025

أمشاج الثالثة

أمشاج الثالثة
قصة قصيرة/ ماجد عاطف

لا تخرج من المشفى الخاص إلا في مناسبات، إذا حضر قريب لها واستلمها. من داخلها رافضة ما تبطنه مع استسلام، ومظهرها ما تملكه، مدخلها.
صباحاً اقتَرَبَت، بعد أن حلقت شعر رأسها بالآلة، من الممرض الذي تهتم به، فهو الوحيد ممن عرفها لم يقبلها أو يرفضها، حتى عندما أدرك ماهيتها. ويعرف حاجتها للمودة، طالما لن تقع عليه تبعات. ولكنها تكره هذا، أن تكون هناك عاطفة، فقد ادمنت التسلّط واستخراج المعلومة، وبعدها تقلب الطاولة وتوقع عقابها.
قالت له لترى أثر الشعر المقصوص:
- أنا جوانا 1، وهي تريد أن تعرف ماذا سيحدث لجوانا 3؟
لا تستطيع -ولو ارادت- أن تقرّ.
هو تعريفها الخاص منذ نشأت طفلة عليه، تراه عادياً مألوفاً لا يصرح به. الانكار والايحاء والتظاهر بالغطاء، في لحظة واحدة.
استخرج الممرض الحبات الزرقاء والأخرى البيضاء الصغيرة، من الأكياس الورقية، ووضعها في الكوب الصغير. تجاوز صدمة تسعى إلي ايقاعها، بينما، حقيقةً، تريد مودته. تجاهل شعرها القصير، وقال يطمئنها:
- لن يحدث لها شيء. ما وضع جوانا 2؟
وهو صادق في طمأنتها فالوضع السياسي يجبرهم على الانصياع. إنها تعقّد وتضع افتراضات، هذا هو كل ما في الأمر، وهو يسوق افتراضاتها لمنطقه.
- تنتظر جوانا 1!
أحست بسعادةٍ مجوّفة عندما رأت أنها بصدد منازلة، فيها صلة ما حقيقية. لكن دائماً عليها أن تخفي شعورها، لا تظهر إلا الذي تدربت على ابدائه، وفي هذه الحالة لا بد من أن تستعمله.
استأنف الممرض عمله، باحثاً عن سلة النفايات الممتلئة ليخرج كيسها. يراها لم تعد تحتمل تمزّقها منذ احضرت قسراً، نافية ومصدّقة ومتجنّبة، فتسويه بتجريد التعديد. إنّها تتقن التمثيل، وتصدّق أدوارها كلّها.
- أخبريها أن جوانا 3 ليست على ما يرام..
تعرف أنه في كل الأحوال يعنيها هي، الأفضل مقارنةً معه هو. ماذا لديه هو؟ القليل من الأسرار التي ستتوصل إليها وشهادة متوسّطة، بينما تمتلك ما لا يخطر له. غرورها حقها وعليه أن يؤكّد هذا.
تناولت الكوب البلاستيكي الصغير وأخذت تقلب حبتين بين أناملها. قرروا أن يكون مآلها في هذا المكان وهي تطيع دائماً.
قالت جوانا ترمي إلى مركّب:
- لا تريد التطرق للمهم؟
حتى في المشفى تمارس الاستدراج والحصول على أي معلومة تخصّه متوفّرة. بعدها تتظاهر أنها أوصلتها وتلقت امرأ بأن تكون قاسية معه نظرا لمخالفته ما هي رقيبة عليه.
لقد عانى منها ومع ذلك ينظر إليها بإعجاب بعد أن فهمها:
- الأهمُ هو الأوّلى!
ارتدّت المريضة إلى عقلها، فيما هو المكلف بتقديم أدوية الصباح والمساء يغادر الغرفة. بدأت جوانا تتناول الحبات، واحدةً تلو الأخرى، بهدوءٍ وسكينة.
إنها لا تكترث بضحيتها، إلا إذا تفوّق عليها. تستمتع بأن تظل المتفوّقة. إذا نجحت وتمكّنت منه أو منها، يتساوان في الماهية فتفقد خوفها مع حرصها ألا تخلّف دليلاً ضدها أو أثراً. عليها أن تصل أولاً لسر من اسراره المهمة الموصلة للسجن، وبعدها تجبره على الاختيار بين العقوبة أو التكفير وتعديل الموقف. إذا طُلِب منها أن.. ، فستكون قد حققت أمور في واحد. فرصة للتماهي مع تأكيد الود لفترة.
هذا ما تخطط بالنسبة له.
عند دخولها دوّن ملاحظة في ملفّها الطبي تشير لماهيتها، تسببت بمبرر لتناقل الكلام بين العاملين في المشفى على لسانه. بالمناسبة عليها أن تؤدّبه أولا، وعلى مرأى.
(ضمن مجموعة قصصية بصدد النشر: خارج تعقلهم)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق